مَنْ كان منصور حكمت؟

 سيرة مختصرة لحياة منصور حكمت (زوبين رازاني)

 

 حميد تقوائي

 

 لم تكن حياة منصور حكمت المفكر والمنظر الماركسي البارز وقائد الحركة والحزب الشيوعي العمالي مفصولة عن تاريخ هذه الحركة والحزب في مجمل لحظاتهما وتقلباتهما. ان هذه المقالة هي سيرة حياة منصور حكمت وفي الوقت ذاته تاريخ الماركسية الثورية والشيوعية العمالية في ايران.

 

ولد زوبين رازاني في حزيران 1951 في مدينة طهران. اكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة في طهران، فيما نال شهادته الجامعية في الاقتصاد في جامعة شيراز. سافر زوبين في عام 1973 الى لندن لاكمال دراسته الجامعية. وفي مرحلته الجامعية في انكلترا، توجه لمطالعة راس المال واعمال ماركس الاخرى. لقد وجد ذهنه النقدي المفعم بالحماس والنابض بالنشاط والحياة في الماركسية جواب اسئلته الاساسية في تفسير حقيقة العالم الظالم القائم والمناهض للانسان وسبيل تغييره.  اذ تعانقت النزعة الانسانوية و النزعة التحررية العميقتين والراسختين لزوبين الشاب مع نقد ماركس الراديكالي للراسمالية. وعلى هذا الاساس، ظهر منصور حكمت وماركسية منصور حكمت للوجود. ليس لهذه الماركسية اي شبه او قرابة بالماركسية القائمة. لم تكن الشيوعيات باشكالها الروسية، الصينية، شيوعية حرب العصابات، الاشتراكية الديمقراطية والتروتسكية جميعاً اساس ونقطة انطلاقه، بل كانت نفسها موضوع نقد شيوعية منصور حكمت. وامام هذه الصيغ المحرفة للماركسية، انطلق منصور حكمت مباشرة من ماركس نفسه واعاد النزعة الانسانوية والراديكالية للماركسية. كانت ماركسية منصور حكمت ناقدة دؤوبة للقومية، للدين، للديمقراطية وللليبرالية والاصلاحية؛ ولم تفلت مجمل تلك التيارات اليسارية المُشَرَبَة بهذه النظرات من سياط نقده اللاسع. ان يسار قد حَجَّمَ الماركسية الى نسخة لترقيع النظام القائم كان، قبل الجميع، مبعث انتقاد هذه الماركسية المُحياة.

 

 ثورة 1979 وتنامي الماركسية الثورية

 

اختصت اول اعمال منصور حكمت التي تعد اليوم جزء من كلاسيكيات الماركسية في ايران بمسائل طرحتها ثورة 1979 في ايران. لقد انتقدت الثورة اليسار التقليدي في الشوارع واطاحت به جانباً. لقد أُنتُقِدَتْ نزعة حرب العصابات، الماوية والشعبوية عملياً في المجتمع وفي تجربة الثورة. بيد ان الحركة العمالية واليسار الثوري كانا بحاجة الى نظريتهما ورايتهما النظرية. لقد كانت اولى اعمال منصور حكمت استجابة لهذه الضرورة. واستنادا الى هذا بالضبط، حققت، وبسرعة، نفوذاً في الحركة اليسارية وبين القادة العمليين للحركة العمالية. لقد مثلت الفروع المختلفة لليسار التقليدي في ايران، من حزب توده (حزب الشعب الموالي للسوفيت في وقته- م)، جماعات نهج حرب العصابات والمنظمات الماوية المختلفة، اجمالاً، نوعاً من الاحتجاج على التخلف وعدم نجاعة الراسمالية في ايران. وقد بلغ الامر ببعضهم ان يعد اقتصاد ايران اقطاعياً او شبه اقطاعي او شبه مستعمَر (كولونيالي)، وقد كانوا يؤمنون بان قسم من البرجوازية في ايران ثورية وتقدمية. وفي تصورات تنظيمات مثل حزب تودة ومحاربي فدائيي الشعب والتي كانت تؤمن براسمالية النظام الايراني، كان يُعَّدْ  قسم من البرجوازية والبرجوازية الصغيرة تقدمية وثورية. لقد كانت مجمل هذه التنظيمات، وبغض النظر عن اختلافاتها، تمثل، في الواقع، حركة محتجة على نواقص وقصورات الراسمال لا على نفس ظلم الراسمال. في الحقيقة، ان قوة كانت تقوم بفعاليتها تحت اسم الماركسية في ايران، مثلما اشار منصور حكمت لاحقاً في ابحاث الشيوعية العمالية، كانت قسم يساري لحركة قومية- دينية مناهضة للملكية لاتمت باي صلة للحركة العمالية ونقد الشيوعية العمالية للراسمالية. وكان من اليسير رؤية هذه الحقيقة لا على صعيد انعدام صلتها بالاشتراكية والنقد الشيوعي للراسمال والاستغلال وحسب، بل في مجمل الميادين وفي مايخص المسائل السياسية والاجتماعية المختلفة ايضاً والتي طُرحت يومياً بفضل الاوضاع الثورية في المجتمع ولفتت الانظار اليها. ليس لهذا اليسار ما يقوله فيما يخص الحقوق والمطاليب المستقلة للعمال، الحريات الحقوقية والمدنية للمجتمع، تحرر المرأة، نقد الدين والقومية والتصدي لهما وحتى المطاليب الرفاهية لعموم الجماهير. وان تكن مشكلة هذا اليسار لاتتعلق بالنظرية والرؤية، بل بهدفه وافقه الاجتماعي السياسي غير العمالي. على اية حال، توجب على الماركسية، بدءاً، ان تصفي حسابها النظري مع هذا الفرع اليساري للحركة القومية الدينية المناهضة للشاه. وبغية تنظيم حركة اشتراكية عمالية في ايران، استلزم بدءاً جر الماركسية من تحت انقاض سياسات واهداف الطبقات الاخرى. وقد غدت هذه المسالة، مع ولوج الطبقة العاملة ثورة عظيمة، ضرورة فورية ويومية. كانت الطبقة العاملة، وفي خضم ثورة، بامس الحاجة الى نظريتها وسياستها المستقلة. كان يتوجب ارجاع الماركسية والشيوعية الى الحركة العمالية؛ وقد لبى منصور حكمت هذه الضرورة التاريخية. لقد اشار في كتاباته للفترة الممتدة مابين (78-82)، بوضوح وانسجام وبنظر ثاقب عجيب، الى ان برجوازية وطنية وتقدمية لهي اسطورة؛ وان مجمل الطبقة الراسمالية في ايران ترى مصلحة في ديكتاتورية الشاه التي تستمد ضرورتها وعلة وجودها من انتزاع فائض القيمة من الطبقة العاملة الايرانية. لقد اثبت ان مجتمع ايران لهو مجتمع راسمالي ودلَّ على ان امر التحرر والخلاص في مجتمع ايران مرهون بنضال العمال ضد النظام الراسمالي. كما وضح لماذا ان القوى الدينية والليبرالية الدينية والقومية ليست بقادرة ولا راغبة في ان تكون تحررية. لقد بين منصور حكمت في كتاباته معنى الخلاص والحرية والمساواة ودل على سبيل تحققهم. لقد هشمت مجموعة كتاباته في هذه المرحلة، وبالاخص رسائل "اسطورة البرجوازية الوطنية والتقدمية في ايران"، "الحركة الفلاحية بعد الحل الامبريالي لمسالة الارض في ايران"، "افق الفقر المدقع والنظرية الماركسية للازمة" و"ثلاث مصادر، ثلاث اجزاء الاشتراكية الشعبوية"، المؤسسة النظرية لليسار غير العمالي في ايران ووضعت اسس منظومة ماركسية منسجمة وراديكالية عُرِفَتْ بتيار الماركسية الثورية. ان المقالات السياسية لمنصور حكمت في هذه المرحلة مثل "جناحين في الثورة المضادة البرجوازية الامبريالية"، "الصراع حول تحقيق الاشتراكية الشعبوية"، "الحرب، نظرية ونظرية الحرب" و"الشعبوية في مأزق"، في الحقيقة، لهي توظيف هذه النظريات في نقد النظام الاسلامي المستلم للسلطة تواً والسياسات المساومة وفاقدة الاستقامة لليسار التقليدي تجاهه. ان هذه الكتابات هي لسان حال وراية العمال الاشتراكيين في قلب ثورة أختطفتها الطبقات الاخرى سواء في الحكومة المتشكلة حديثاً و معارضتها غير العمالية عديمة الحماس.

 

ان كتابات منصور حكمت واضحة ومنسجمة وعميقة وحادة، ذات نثر شفاف وحي ونير. وفي الوقت ذاته، تناول  اكثر المسائل النظرية عمقاً وتجريداً بشكل بسيط ومترابط ومفهوم. ان نثر منصور حكمت ايضاً، كمضمون كتاباته،  بارز ولم يسبق له مثيل في الادبيات السياسية في ايران.

 

في مرحلة الثورة، مر مجتمع ايران الثوري والمليء بالتلاطمات بمنعطفات متعددة. وفي كل حالة، كانت الرجعية الاسلامية التي جاءت للسلطة باسم الثورة تتخذ خطوة اخرى في قمع العمال والحركة الثورية للجماهير. دافعت القوى السياسية لليسار التقليدي والقومي الديني خارج صفوف الحكومة ايضاً، كل منها وبدرجات متفاوتة، عن الحكومة الجديدة او لم تتصدى لها باي حال من الاحوال. في هذه الاوضاع، كانت ماركسية منصور حكمت الثورية التجلي والممثل السياسي والنظري للثورة والحركة العمالية. فيما يخص التعامل مع الحرب العراقية الايرانية، احتلال السفارة الايرانية، حركة تركمان الصحراء، الحركة في كردستان، حملة النظام على النساء، العمال العاطلين، الجامعات والمجالس العمالية، الاختلافات بين اجنحة النظام كانت التحليلات الماركسية لمنصور حكمت توضح الحقائق وتدلَّ العمال والقوى الثورية على سبيل النضال.ان الماركسية الثورية، في الواقع، هي نقطة تلاقي وحصيلة نقد ماركس القاطع للراسمالية والمسائل المختلفة التي طرحتها ثورة حية في ايران.

 

رغم كل هذا، لاتقتصر اهمية ودور الماركسية الثورية، على ايران وحدها. ان نظرات منصور حكمت، بالنسبة للتيارات الماركسية القائمة على الصعيد العالمي هي جديدة تماماً ومعاكسة للتيار ايضاً. لم يحطم نقده للشعبوية في ايران المنظومة الفكرية لاقطابها العالمية، اي الشيوعية الروسية والصينية وشيوعية حرب العصابات فحسب، بل شملت، من ناحيتها الايجابية وعبر التاكيد على الاشتراكية وجعل نقد ماركس للنظام الراسمالي محور حركته، تيارات مثل التروتسكية والاشتراكية الديمقراطية التي لم تُمثل في ايران.ان الماركسية الثورية لمنصور حكمت ذا خصلة عالمية لانها حللت قضايا المجتمع والثورة الايرانية من منظور نقد العامل للراسمال. لم يحتج منصور حكمت على الراسمالية في ايران فحسب، بل انه ناقد للراسمالية في اكثر اشكالها تقدماً، في بلدان اوربا الغربية وامريكا. ان قيم الحرية والمساواة والتحرر التي نشدها لعمال وجماهير ايران هي امال العمال في العالم اجمع.  لقد كتب الماركسية الثورية باللغة الفارسية وحول ثورة ايران، بيد انه اعاد ماركس للتاريخ المعاصر للعالم. ان مواقفه ونهجه ومحتوى نقد منصور حكمت جعلت نظراته عالمية بغض النظر عن المسائل التي تناولها.

 

 الماركسية الثورية في ميدان النضال العملي

 

لم تكن الماركسية الثورية  تيار فكري محض. فمن البداية، و بموازاة اصدار كتاباته، انخرط منصور حكمت ورفاقه في التنظيم والتدخل العملي في النضالات والتحولات الجارية في المجتمع. في عام 1979، شكل مع رفاق له، بدءاً، حلقة شيوعية باسم سهند وبعدها اتحاد المناضلين الشيوعيين. اصدرت هذه المنظمة مجلة لسان حالها "بسوي سوسياليزم"- صوب الاشتراكية-. ومع شيوع نظرات منصور حكمت في هذه المجلة، انضم اكثر الثوريون الشيوعيون طليعية وفعالي الحركة العمالية للماركسية الثورية واتحاد المناضلين الشيوعيين. ان الفعالية والانخراط في نضال العمال العاطلين واصدار جريدة  "ضد البطالة"، الاحتجاج على تحجيم الحريات التي شرعت به الرجعية القادمة للسلطة حديثاً، طرح مطلب الحريات السياسية دون قيد او شرط تمايزاً مع اليسار التقليدي الذي كان يطلب الحرية لـ"الشعب" فقط، الدفاع عن حقوق المراة بمجابهة فرض النظام للحجاب الاجباري وبمجابهة القوى اليسارية التي لا تعد احتجاجات "نساء شمال المدن" امرا يستحق الدفاع عنه، تشكيل حلقات قراءة الراسمال بين القادة العمليين للحركة العمالية، ارساء الحركة المجالسية والنضال من اجل تشكيل التجمعات العامة للعمال في المعامل، كانت من جملة الفعاليات العملية الاولى للماركسية الثورية.

 

كان طرح برنامج شيوعي وتشكيل الحزب من ضمن دستور اتحاد المناضلين الشيوعيين منذ بدء تاسيسه. ان احد اوجه مساعي اتحاد المناضلين في هذه المرحلة هو افهام المنظمات اليسارية الاخرى باهمية البرنامج، منظمات لا يبغي اي منها ولا يستطيع ان يعلن اهدافه وسياساته على هيئة برنامج. في عام 1980، كتب منصور حكمت برنامج اتحاد المناضلين الشيوعيين، وبعد تصويت جميع الاعضاء عليه، صُدِرَ كبرنامج هذه المنظمة. في هذا البرنامج، طُرِحت الاهداف الاشتراكية للطبقة العاملة، خصائص ونوع الدولة التي ينشدوها ومطاليب العمال الخاصةومطاليب اقسام المجتمع المختلفة.

 

ان احد الاوجه المميزة لرؤية منصور حكمت ونمط تفكيره هو تصوره للثورة والاصلاحات والصلة بينهما. انه ثوري ذا امال واهداف، دؤوب، لايساوم، ينشد قلب النظام الراسمالي من الاساس وتحرير البشرية من نير مجمل اوجهه السياسية، الاجتماعية والاقتصادية؛ وفي الوقت ذاته، عملي، وقائد عملي يدرك قدر واهمية ابسط تغيير وتحسن في حياة البشر ويناضل من اجل تحقيقها. في منظومة منصور حكمت الفكرية وماركسيته، ليس ثمة اي تناقض بين نضاله من اجل الاصلاحات والثورة فحسب، بل ان كلاهما وجهين مختلفين لنضال واحد. لقد انتقد اؤلئك الماركسيين الذين على غرار التيار المسمى باليسار الايطالي والذي، نظراً لافراطه في "الثورية"، يعد اي تغيير في المجتمع الراسمالي امرا مستحيلاً ويفضل ان لا "يلوث" يده في النضال اليومي للطبقة العاملة؛ او اؤلئك الذين على غرار الاشتراكيين الاصلاحيين في اوربا الذين نفضوا ايديهم تماماً من الاشتراكية  ومحوروا مجمل افقهم وامالهم في الاصلاح. انه ماركسي من نوع اخر. انه ينشد محو النظام الراسمالي وكذلك التحسين المضطرد لاوضاع العمال ومجمل الجماهير في النظام ذاته.  في كتابات منصور حكمت، ومنذ البدء، وتحديداً في برنامج اتحاد المناضلين الشيوعيين وكذلك في مجمل البرامج الحزبية التي كتبها لاحقاً، يبرز هذا النوع من التصور للاصلاح والثورة  الى حد كبير. في برنامج اتحاد المناضلين الشيوعيين، وبموازاة اعلان محو النظام الراسمالي وارساء الاشتراكية بوصفه هدف فوري للشيوعيين، طرح واعلن من مطلب زيادة الاجور والحق التقاعدي وحضانة الاطفال في المعامل وصولا الى مسالة السكن، ضمان البطالة والحقوق المتساوية للمراة وعشرات المطاليب المحددة الاخرى للعمال والنساء والفئات المختلفة للمجتمع. ان طرح البرنامج مسالة النضال من اجل نيل هذه المطاليب يعد امراً ضرورياً من زاوية  تحسين حياة الجماهير من جهة، وكذلك من زاوية تسهيل امر نضال الطبقة العاملة في سبيل الاشتراكية. ان هذا الخط يسير كمجرى في جميع برامج الحزب التي كتبها وصولاً الى برنامج الحزب الشيوعي العمالي.

 

لفت اصدار برنامج اتحاد المناضلين انظار الجميع.  شجبته منظمات اليسار في كتاباتها اما بوصفه برنامج "اصلاحي" او يساروي وتروتسكي. ولكن على صعيد قواعد التنظيمات والفعالين اليسار، اكتسب شعبية ونفوذ بسرعة كبيرة. في نفس تلك الفترة، صنف احد ممثلي المجلس الاسلامي، وعبر الاشارة الى برنامج اتحاد المناضلين بوصفه برنامج احد "الجماعات المعادية للثورة"، امرا خطيراً وذلك من حيث وعد البرنامج الجماهير بمطاليب "خيالية وغير عملية" ورفع مستوى تطلعاتها. لقد كان قلقه في مكانه تماماً. لقد غدا محتوى هذا البرنامج الخطر مثل حرية التعبير والنشر دون قيد او شرط وفصل الدين عن الدولة مطلب عام للجماهير وحتى للكثير من قوى المعارضة. ان قسم من برنامج منصور حكمت لهو راية نضال الجماهير ضد الجمهورية الاسلامية.

 

مع تنامي نفوذ نظرات الماركسية الثورية في المجتمع وفي الحركة اليسارية، تشكلت في اغلب المنظمات اليسارية، تحديداً بيكار، رزمندكان و الفدائيين اجنحة متعاطفة مع اتحاد المناضلين الشيوعيين. بيد ان الانعطافة قد حدثت مع تبني المنظمة الثورية لكادحي كردستان ايران (كوملة)، وهي منظمة جماهيرية منخرطة بشكل كبير في النضال المسلح واحتجاجات الجماهير في كردستان، لهذه النظرات. بلغت كوملة، وهي منظمة شعبوية، كانت تتجابه يومياً بمسائل محددة  يطرحها النضال الجماهيري في كردستان، مازقها. ادركت عقم نظراتها الشعبوية، ووجدت سبيل تقدمها في الماركسية الثورية. يبدو كما لو ان منصور حكمت قد كتب "الحركة الفلاحية بعد الحل الامبريالي للمسالة الزراعية في ايران" و"اسطورة البرجوازية القومية التقدمية" رداً على المعضلات التي تواجه الثوريين اليساريين في كردستان. قبلت كوملة رسمياً في مؤتمرها الثاني في نيسان 1981 نظرات وسياسات اتحاد المناضلين. بعد بضعة اشهر، التقى قسم من قيادة كوملة مع قيادة اتحاد المناضلين الشيوعيين في طهران. وفي صيف العام ذاته، ذهب منصور حكمت الذي لم يكن قد اختار هذا الاسم بعد وكان معروفا باسم نادر في منظمته الى كردستان وانخرط في المناقشات الداخلية لكوملة. ادرك قادة وكوادر كوملة بسرعة ان نادر، هذا الشاب المخلص والمفعم بروح الدعابة والتواضع، يتمتع بنظرات اصيلة وثاقبة ومرشدة لا على صعيد النظرية فحسب، بل على صعيد القضايا العملية للحركة الثورية في كردستان كذلك. ذهب في العام ذاته مرة اخرى الى كردستان. واخيراً، في نيسان 1982، وفي خضم اوسع واشرس هجمة قامت بها الجمهورية الاسلامية تجاه الثوريين اليسار، انسحب منصور حكمت ورفاقه في قيادة اتحاد المناضلين الشيوعيين الى مناطق كردستان المحررة.

 

ان 20 حزيران من عام 1981 يعد انعطافة في مسرى التحولات السياسية عموماً وفي تاريخ حركة اليسار في ايران خصوصاً. اذ شرع النظام الجديد الذي عجز، حتى تلك اللحظة، عن فرض التراجع والحاق الهزيمة التامة بالثورة  بشن حملة قمعية شاملة ووحشية لم يسبق لها مثيل في التاريخ المعاصر لايران من حيث حجم الجريمة التي ارتكبت ومدى وحشيتها. لهذا، قطع هذا القمع مسار تنامي واشاعة الماركسية الثورية في الحركة اليسارية الايرانية. ففي الفترة الممتدة بين شباط 1979 حتى حزيران 1981، وبفضل الثورة التي خلقت في الواقع اجواء مفتوحة واوضاع  شبه ديمقراطية في المجتمع، توفرت الفرصة للماركسية الثورية ونظرات منصور حكمت في المجتمع للتنامي وجمع القوى حولها. من جهة اخرى، في تلك الفترة ذاتها، بدء اليسار التقليدي بالاضمحلال. انضم حزب تودة، اغلبية تنظيم الفدائيين، الماويين دعاة نظرية العوالم الثلاثة، والتروتسكيين الى هذه الجناح او ذاك من اجنحة النظام القمعي. فيما غطت قوى الخط الثالث الاشتراكية الشعبوية مثل رزمندكان وبيكار في ازمة عميقة، فيما بلغت كوملة مازقها. اذ كشفت الاشتراكية الشعبوية، باشكالها المختلفة، عن عقمها مما شرع الابواب امام الماركسية الثورية في كل الحركة اليسارية الثورية في ايران. اوقف قمع 20 حزيران 1981 هذا المسار وجعل عملية تاسيس الحزب بالنسبة للماركسية الثورية اطول واعقد، بيد انه لم يوقف مسارها الطليعي. لقد كان سبيل اتمامه يمر عبر كردستان التي لازالت  تضطرم بشعلة الثورة.

 

في تلك المرحلة نفسها، شرع اتحاد المناضلين الشيوعيين باصدار لسان حاله السياسي باسم "العامل الشيوعي"، وهناك ظهر، في العدد الرابع، ولاول مرة، اسم منصور حكمت في مقابلة خاصة بمستلزمات تاسيس الحزب. ان مقالاته وكتاباته حتى هذا التاريخ كانت لاتحمل اسماً، وقد كان امر شائع في اليسار الايراني. ان اصدار المقالات باسم الشخص الذي كتبها هي احد ثمار انتقاد منصور حكمت لانماط عمل اليسار التقليدي الذي كان قادته دوماً بدون اسماء وفاقدي الملامح. كتب منصور حكمت في افتتاحية مجلة بسوي سوسياليزم (الدورة الاولى) في العدد 5 في شباط 1982، ليس بوسع فقدان الملامح المعتاد في الحركة اليسارية الايرانية ان يكون اسلوب عمل حزبنا وحركتنا. قال ينبغي ان تعرف التنظيمات والمجتمع قادة حركتنا ومفكريها وكتابها كي يكون بمقدورنا خط سبيل فكري وسياسي محدد يمكن للحركة والمجتمع القبول به او رفضه. لقد رفض فكرة قيادة وراء الابواب الموصدة. اذ قال يجب ان تعرف الطبقة العاملة قادتها وقادتها المزيفين. لقد كان هذا البحث، في الواقع، جزء من بحث اوسع واشمل، "الحزب والشخصيات"،  الذي فصلَّه وعمقه منصور حكمت بعد 15 عام في الحزب الشيوعي العمالي. 

 

 تأسيس الحزب الشيوعي الايراني

 

احتلت ضرورة التحزب وبناء حزب اولوية قصوى في تفكير منصور حكمت واتحاد المناضلين الشيوعيين منذ الايام الاولى لبدء فعاليته، وتم التاكيد عليها. لدى المنظومة الفكرية لليسار غير العمالي، غدا تاسيس الحزب، مثل الكثير من المقولات الاخرى والمسائل العملية الماركسية، معضلة عصية على الحل. اذ لاينشد هذا اليسار، اساساً،  تاسيس الحزب. وان نظرياته، في الواقع، هي نظرات لتبرير لماذا لايمكن  ولاينبغي تاسيس الحزب في اية اوضاع. اما بالنسبة لاتحاد المناضلين الشيوعيين، يعد تاسيس الحزب امراً فورياً وملحاً.

 

في خريف 1982، انعقد المؤتمر الاول لاتحاد المناضلين الشيوعيين في المناطق المحررة في كردستان. في هذا المؤتمر، طرح منصور حكمت نقده لنمط عمل الشعبوية،  ووضح اسس العمل الشيوعي. لقد كان ذلك، في الواقع، التوجه العملي لاتحاد المناضلين الشيوعيين صوب تاسيس الحزب. في نفس تلك المرحلة، كتب منصور حكمت مسودة برنامج الحزب التي تم اقرارها من قبل كل من اتحاد المناضلين الشيوعيين وكوملة.

 

في شتاء 1982، وفي ندوة في كردستان، عرفت لاحقاً باسم " ندوة الشمال"، قدم منصور حكمت اطروحاته حول نظرية الحزب والسبيل المحدد لتشكيله في الاوضاع المحددة لليسار الايراني. لقد انتقد في هذه الاطروحات نظرات اليسار التقليدي مثل نظرية الصلة وعَرَّفَ الحزب الشيوعي بوصفه تجسيد الاستقلالية الشاملة للطبقة العاملة في النظرية والسياسة والممارسة؛ واعلن ان بوسع  الماركسية الثورية وينبغي عليها ان تضع مسالة تاسيس الحزب في جدول اعمالها الفوري. وفقاً لهذا، وبالافق هذا، تشكل الحزب الشيوعي الايراني.

 

في ايلول 1983، شكل اتحاد المناضلين الشيوعيين، المنظمة الثورية لكادحي كردستان (كوملة) والافراد والاجنحة الماركسية الثورية في المنظمات الاخرى الحزب الشيوعي الايراني. انها خطوة تاريخية ومنعطف حاسم في تاريخ اليسار الايراني. لقد سُلِّحَتْ الطبقة العاملة الايرانية، ولاول مرة، بحزب يمثل اهدافها وبرنامجها المستقل و تعد الاشتراكية هدفها الفوري.  وفي الاوضاع الخاصة التي تشكل فيها الحزب تحديداً، تعد هذه خطوة كبيرة للامام بالنسبة للماركسية الثورية ومجمل الحركة اليسارية. في اوضاع ضيق القمع الوحشي للثوريين بعد حزيران 1981الخناق على الشيوعيين في مدن ايران ووضع افق اكثر حلكة امامهم، لم تتلق الماركسية الثورية الايرانية هزيمة، لم تَسْكُنْ، لم تتراجع، بل، ومع تاسيس الحزب في كردستان، المنطقة التي لاتزال الثورة فيها قائمة،  شرعت بهجومها المضاد وفتحت جبهة عريضة وجديدة امامها.

 

لقد خلق تاسيس الحزب وخبر ارسائه، بحد ذاته، موجة امل وحمية وثقة بالنفس لدى الحركة اليسارية في عموم ايران التي كانت ترزح تحت نير عمليات الاعدام والاعتقالات. حتى في داخل السجون، بثت الحمية في افئدة الثوريين الذين باركوا لبعضهم بعض تاسيس الحزب. مع  تاسيس الحزب، استهلت الماركسية الثورية فصل جديد في تاريخ اليسار الايراني وبثت الحياة مرة اخرى في الثوريين اليسار في ايران.

 

في الحزب الشيوعي الايراني، كان لمنصور حكمت في اي ميدان، من النضال المسلح والسياسي وصولاً الى الدعاية والعلاقة مع القوى والاحزاب القومية، كلام جديد ومرشد. من النضال في المدن وتنظيم العمال الى تعريف اهداف ومراحل النضال المسلح في المناطق الريفية، ومن تنظيم قوى البيشمركة الى الجولات السياسية والعسكرية، الى ضرورة وسبل الارتقاء بحياة الفلاحين في المناطق المحررة، الى حقوق المتساوية للنساء في التنظيمات وتنظيم النساء في قوى البيشمركة، كانت محتوى القرارات وخطط العمل التي يطرحها منصور حكمت ويضعها على جدول اعمال الحزب. في اعلان تحت عنوان "الحقوق الاساسية للكادحين في كردستان"، طرح منصور حكمت الخطوط العامة للمطاليب الحقوقية والرفاهية للجماهير في كردستان. كان اصدار هذا الاعلان هو، في الوقت ذاته، خطوة اخرى في توجيه النقد العملي للتقاليد القومية للنضال في كردستان. تقاليد لاتتمتع فيها حقوق ومطاليب الجماهير باية مكانة.

 

ان نقطة اخرى قد لا تكون واضحة لقراء اثار منصور حكمت الا هي دوره  البارز والحاسم في ميدان النضال المسلح.  لقد انتقد منصور حكمت، بنظرة ثاقبة خاصة به، وبعمق، التقاليد القومية في النضال المسلح، وحدد ووضح استراتيجية الحرب الثورية في كردستان، بموازاة تنظيم وقيادة نضال عمال كردستان في المدن، بوصفها جزء من نضال كل الحزب. لقد اعتبر القوة المسلحة الامتداد العسكري للحركة العمالية في كردستان. ان نظرات منصور حكمت مرشدة ومؤثرة في ميدان النضال المسلح الذي وصلت فيه، في حالات كثيرة، الانماط التقليدية للنضال الى مازق. ان احد هذه الحالات هي تعليماته بهذا الخصوص في المؤتمر الخامس لكوملة في 1985، في اوضاع ضُيِّقَ الخناق على ميدان النضال المسلح ولم يبقى امام الانماط التقليدية للنضال المسلح سوى النزعة المغامراتية اوالتصفوية. اذ طرح تكتيك مسلح عملي، وواقعي وطليعي امام الكوملة.

 

ان بعد اخر لشخصية منصور حكمت والتي  لم يُسبر مداه بعد من كتاباته هو نهجه ومنبعه الانساني والطليعي العميق. ان الاوضاع العلنية للنضال في كردستان وفرت الفرصة لعدد كبير من الاعضاء والمقاتلين ان يروا  منصور حكمت ويتعرفوا عليه عن قرب.  حتى بعد اختيار اسم منصور حكمت، كان الجميع يسميه باسمه القريب على قلبهم، نادر او كاك (الاخ) نادر. كان حلو المعشر، غير رسمي، متواضع ومخلص. يكره التراتبية، الرسميات والالقاب. رغم كل قدراته المتنوعة الاستثنائية، ليس ثمة ذرة من التكبر والغرور والتفاخر. ينظر للجميع بوصفهم مساوين له ويتعامل معهم على هذا الاساس. مفعم بروح الفكاهة وسرعة الخاطر وحضور البديهية، يصادق الجميع بسهولة ويتبادل المزاح معهم. في الجلسات والتجمعات، يجادل بصورة صريحة وواضحة ومن موقف مساو بشكل تام للاخرين. لايعد نفسه معلم احد ولا اب او اخ اكبر لاحد. وعلى هذا الاساس بالضبط، لايتعامل بشكل رسمي مع احد، صريح ولايساوم. في النقاش، اما يقنع المرء اويقتنع. انه يهتم بالجميع وبوضع الجميع. من اوضاع حياة الناس في هذه القرية او تلك، باوضاع مراكز رعاية الاطفال في معسكرات ومقرات كوملة الى اوضاع ملابس وصحة المقاتلين ومكانة المراة في التنظيمات. يفكر ويهتم بكل شيء ويجد حلولاً لكل مسالة. ان احترامه للحياة والانسان هو جزء من وجوده. يمكن رؤية هذا، بوضوح، في سماته وسلوكياته الشخصية وفي مواقفه ونظراته السياسية.

 

ان المشغلة الاساسية لمنصور حكمت، منذ تاسيس الحزب، هي تحوله الى حزب جماهيري وعمالي. ان كتاباته في هذه المرحلة، مقالاته مثل المحرض، الحلقات العمالية والقادة العمليين للحركة العمالية، سياستنا التنظيمية بين العمال والعضوية العمالية تتناول اليات تنظيم ونضال القادة العمليين للحركة العمالية وصلتهم  بالحزب.  ان هذه الابحاث، في الحقيقة، هي مستهل ابحاث عميقة وشاملة طرحها منصور لاحقاً تحت اسم الشيوعية العمالية. وفي المطاف الاخير، وبصورة معمقة واكثر تقدماً، وفر الاسس النظرية لتاسيس الحزب الشيوعي العمالي.

 

 الشيوعية العمالية والقومية الكردية

                     

 قبل تاسيس الحزب الشيوعي الايراني، لم تكن كوملة تتمتع بنقد عميق للقومية الكردية. ليس هذا فحسب، بل انها نفسها تسير، اساساً، وفق تقاليد الحركة القومية في كردستان. اذ تمثل كوملة الشعبوية، في الحقيقة، الجناج اليساري لحركة يمثل الحزب الديمقراطي الكردستاني الايراني (حزب قومي كردي-م) جناحها اليميني. لقد كانت محملة بشكل كبير بالتقاليد القومية المتخلفة في النضال المسلح، الممارسة السياسية والنشاط في المناطق المُحررَة والتعامل مع الفلاحين، فيما يخص الدين ودونية المراة وحتى في العلاقات التنظيمية. لقد كان منصور حكمت، ومنذ البدء، وحتى قبل تاسيس الحزب منتقد دؤوب لمجمل اشكال التخلف هذه.

 

مع تاسيس الحزب، بدء النضال ضد التقاليد المتخلفة والقومية داخل منظمة كردستان للحزب اساساً. لقد فرض التراجع، خطوة خطوة، على القومية فيما يخص تعاملها مع الدين والاخلاقيات المتخلفة، مكانة المراة، العمل بين الجماهير ونقد وتغيير التقاليد النضالية المسلحة. لكن خارج صفوف الحزب، ليس بوسع الميل القومي تحمل مثل هذه التغييرات في حركة يعدها، تقليدياً، حركته. بالنسبة للحزب الديمقراطي، عد الدعاية الشيوعية لكوملة شديدة الى ابعد الحدود و"اهانة بالمقدسات". ان اتساع نفوذ كوملة الشيوعية في مجتمع كردستان كان يعد خطر جدي بالنسبة للحزب الديمقراطي. في صيف 1984، شن الحزب الديمقراطي هجوما على مقاتلي كوملة في منطقة اورامان مشرعة حرب بين كوملة والديمقراطي استمرت اكثر من ثلاث سنوات.

 

لقد نظر القوميون في صفوف كوملة الى هذا الصراع على انه صراع بين خصمين في رحم الحركة القومية.  ولكن كانت الحقيقة تتمثل بعدم قدرة الحزب الديمقراطي على تحمل ان تكون كوملة منظمة كردستان للحزب الشيوعي وداعية للافكار الشيوعية بين الناس، وقد فسر منصور حكمت الحرب طبقاً لهذا التحليل. لقد اعتبر هذه الحرب صراعاً بين البروليتاريا والبرجوازية الكردية حول حرية الدعاية والفعاليات الشيوعية.  في الحقيقة، ولاول مرة في تاريخ ايران، تظهر الشيوعية بهذه الدرجة من الشفافية والراديكالية بحيث لاتتحملها حتى البرجوازية التي في المعارضة ايضاً. بعد ثلاث سنوات من الحرب، وبعد ان تبين للحزب الديمقراطي عجزه  عن الحاق الهزيمة بكوملة او حتى خلق محدوديات  لسياساتها الشيوعية، اوقفت كوملة الحرب، ومن طرف واحد، بناءاً على مبادرة منصور حكمت وطرحه. لقد خرجت منظمة كردستان للحزب مرفوعة الرأس في اول مجابهة عسكرية لها مع البرجوازية المحلية.

 

على اية حال، وطبقاً للمنظومة النظرية للماركسية الثورية، ليس بوسع نقد القومية ان يتخطى نقد الافكار والسياسات، او في اقصى الحالات، طرق الممارسة ونمط العمل.  وان يكن قبول هذا الحد من نقد الماركسية الثورية للقومية بالنسبة لقادة كوملة الذين توجهوا، اساساً، الى الماركسية الثورية بعد وصول نظرتهم الشعبوية الى مازقها يعد مشكلة وتطرف ومغالاة. بيد ان  منصور حكمت كان على العكس من ذلك،  اذ كان يؤمن بان هذا النقد ليس عميق وراديكالي وشامل بحدٍ كافٍ.  اذ اعاد، مع ابحاث الشيوعية العمالية،  هذا العمق والشمول الى النقد والتحليل الماركسي للحركات الاجتماعية، ومن ضمنها القومية. طبقاً لمنصور حكمت، ان الاختلافات والصراعات هي في الواقع، اختلافات بين حركات اجتماعية مختلفة ذات اهداف وافاق طبقية مختلفة. وان نقد القومية ليس نقدا افكار وسياسات او حتى تقاليد واساليب عمل. لايمكن اقناع الحركة القومية  بالماركسية.

 

من الطبيعي، لم تكن هذه النقاشات محبذة اطلاقاً لدى الميل القومي لكوملة الذي تقبل الماركسية الثورية وتاسيس الحزب في اغلب الاحيان بصمت. بدات القومية في كوملة تخرج من صمتها وبدات بالمقاومة. كان منصور حكمت، في ذلك الوقت، مع بقية قيادة الحزب في اوربا، يوضح نظراته بشكل شفهي ومدون وينشرها في التنظيمات.

 

شرع قسم من الكوادر وقادة كوملة بشن حملة على منصور حكمت ونظراته باكثر الاشكال غير مبدئية. جرت نقاشات حامية في التنظيمات. رغم كون القوميين اقلية، بيد ان منصور حكمت، الذي لم يكن يستغل نفوذه ومكانته التنظيمية لتلعب دوراً في اشاعة نظراته، استقال من اللجنة التنفيذية وشكل مركز وكتلة الشيوعية العمالية في الحزب. لقد كتب نظراته بشكل مفصل ووضحها في الندوات التنظيمية. بوجه ذلك، سعى القوميون الى مقاومة هذه النظرات باكثر الاشكال تخلفاً. انضمت الاغلبية العظمى من اعضاء الحزب وكوادره  الى كتلة الشيوعية العمالية. وفي نهاية المطاف، في الاجتماع الموسع السادس عشر لللجنة المركزية عام 1989، اقرت قيادة الميل القومي في اللجنة المركزية لكوملة بالهزيمة، وانتقدت نفسها رسمياً. انتخب الاجتماع الموسع، بالاجماع، منصور حكمت عضواً في المكتب السياسي وسكرتير اللجنة المركزية للحزب.

 

لقد انتهت المسالة، من الناحية التنظيمية، لصالح الشيوعية العمالية، بيد ان منصور حكمت كان يعلم ان المشكلة باقية على حالها من الناحية السياسية والاجتماعية. انه يبغي ان يكون الحزب القسم المُنَظَمْ لحركة الشيوعية العمالية او، مثلما يقول، حزب واحد ذا بنية واحدة. انه يعلم ان حزبه ليس كذلك. بيد ان القومية المستسلمة والتي اسكتت مرة اخرى واصلت حياتها في الحزب. ان حرب الخليج وفرت الارضية لتصاعد القومية مرة اخرى. اذ قامت امريكا وحلفائها الغربيين بحملة على العراق، ورات القوى القومية الكردية فرصة مناسبة للتقارب مع امريكا امام نظام صدام. لقد تحرك القوميون في كوملة ايضاً. طرح عبد الله مهتدي، عضو اللجنة المركزية، مشروع قرار امام المكتب السياسي داعياً الى التضامن مع القوميين الكرد العراقيين وتحديداً الاتحاد الوطني الكردستاني. لقد فضح منصور حكمت، في مقالة له، وبوضوح، المحتوى القومي والمناهض للعمال لهذا القرار وتنامى مرة اخرى البحث حول القوميين والشيوعية العمالية مرة اخرى ولكن هذه المرة حول مسالة حرب الخليج.

 

ان وثائق مناقشات هذه المرحلة التي تم نشرها علناً بهيئة مجموعة وثائق حرب الخليج، وبالاخص البحث المفصل لمنصور حكمت "خطوتان للوراء فقط"، رسمت لوحة واضحة لمسار نقاشات هذه المرحلة. فبالاضافة الى صحة مواقف منصور حكمت ومتانتها وانسجامها النظري، بينت، بوضوح، حنكته وحدة نظره السياسية  وكذلك اصوله ومبادئه الاخلاقية السامية عند البحث والجدل السياسي مع معارضيه في الحزب. تبين لمنصور حكمت اثناء هذه الابحاث ان الحزب القائم ليس بحزب عمالي موحد ، ذلك ان وجود ميل قومي كردي قوي فيه، حتى وان اذعن لمنصور حكمت والميل الشيوعي في الحزب، فانه مانع جدي امام الانسجام الحقيقي للحزب حول النهج الشيوعي العمالي. اتخذ تجاه هذه المسالة قرار شجاع، لم يسبق له مثيل، وبديع بصورة كاملة. استقال من الحزب الذي قبلت اغلبية لجنته المركزية وكوادره واعضاءه نظرات منصور حكمت ويعدوه قائدهم، وحتى القوميون المعارضين له يقتدون به من الناحية التنظيمية. سيبين المستقبل ان هذه الاستقالة من موقف قوة التي كانت تبدو لرفاقه القريبين امراً غريباً ولايمكن تفسيره، هي اكثر السبل مبدئية واقلها مشقة لانسجام ودفع الشيوعية العمالية.

 

 تشكيل الحزب الشيوعي العمالي

 

مع استقالة منصور حكمت من الحزب، استقال اغلب اعضاء قيادة الحزب وكوادره واعضاءه الذين يشاطرون منصور حكمت نظراته، وانضموا الى الحزب الشيوعي العمالي الذي دعا اليه بالاتفاق مع اعضاء مركز الشيوعية العمالية.

 

لقد خرج منصور حكمت، على حد قوله بقلمه فقط، من حزب كان قائده، وترك اسم الحزب وامكاناته لاؤلئك الذين بقوا. طبقاً لمجمل المعايير والمباديء السياسية والتنظيمية، كان حق خط الشيوعية العمالية ان يبقى في الحزب ويصفي التيار القومي. لقد تخلى منصور حكمت عن هذا الحق  لكي يحبط، سلفاً، اي مساعي من شان القوميون الكرد استغلالها. كان ينظر ابعد من الحقوق والمباديء التنظيمية.  كان يعلم ان في عالم ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ومع تنامي القومية في المنطقة والعالم قاطبة، لا يعد التفوق النظري والسياسي للشيوعية العمالية في الحزب وتمتعها باغلبية الاعضاء بامر كافٍ.  كان يعلم  انه في الوقت الذي تتعرض الشيوعية الى هجمة الرجعية العالمية، فان الشيوعية العمالية ليست بوضع ان تخلص صفوفها من القومية دون ان تتصادم مع معارضيها القوميين في  كوملة والذي من السهولة بحال ان يؤدي هذا التصادم، في تنظيمات مسلحة، الى مجابهة عسكرية. ببساطة، استقال هو نفسه فقط. لم يدعوا حتى مناصريه الى الاستقالة. قدم انصار نظراته استقالتهم افراداً ورائه وانضموا الى الحزب الشيوعي العمالي. انه اكثر سبل انفصال الشيوعية العمالية من القومية الكردية تمدناً واقلها مشقة. ابلغت الكوادر القيادية الباقية في الحزب الشيوعي انها ستديم خطه وتمنى لها الموفقية. لم يسبق لمثل هذا الانفصال مثيل في تاريخ الحركة اليسارية وتاريخ الاحزاب على الصعيد العالمي عموماً.

 

بعد عامين من تاسيس الحزب الشيوعي العمالي في ايران، تاسس الحزب الشيوعي العمالي العراقي ايضاً.  اذ تُرجِمَتْ كتابات منصور حكمت الى الكردية والعربية قبل ذلك بفترة طويلة، ووجدت لها نفوذاً بين اليسار العراقي. مضى مئات القادة والفعالين اليسار في كردستان العراق نحو تعلم اللغة الفارسية بهدف قراءة اعمال منصور حكمت.  وعلى وجه الخصوص، قوبل تحليل منصور حكمت لحرب الخليج ووقوفه بوجه الحرب بترحيب لدى اليسار العراقي. ان الحزب الشيوعي العمالي العراقي هو ثمرة هذا التنامي والنفوذ الاجتماعي لنظرات منصور حكمت في كردستان العراق.  ان الحزب الوحيد الذي وقف بوجه رجعية الاحزاب القومية الكردية التي جاءت الى السلطة امتداداً لاوضاع حرب الخليج في كردستان، ووقف متصدياً لنفوذ الدين والاخلاقيات المتخلفة في المجتمع. لقد كان منصور حكمت في صلة دائمة مع قيادة هذا الحزب، وان اعضاء من قبل قيادة الحزبين الشيوعي العمالي الايراني والعراقي قد انتخبوا اعضاء لللجنة المركزية في كل من الحزبين.

 

لقد تاسس الحزب الشيوعي العمالي بعد مرحلة من الصراع السياسي والنظري مع القومية الكردية، بيد ان الشيوعية العمالية ليست اطروحة تضادية (انتي) للقومية، وان اهمية تاسيس الحزب الشيوعي العمالي لاتكمن كذلك في انتصارها على القومية الكردية. اعلنت الشيوعية العمالية وجودها بمجابهتها التامة مع  الشيوعيات القائمة على الصعيد العالمي. لقد كانت، اساساً، حركة اخرى. لقد مثل منصور حكمت، في الواقع، شيوعية ماركس تمايزاً مع حركات الطبقات الاخرى التي ادعت بماركس كذلك. ان هذه انعطافة  في تاريخ الشيوعية المعاصرة على الصعيد العالمي.

 

 الشيوعية العمالية تمايزاً مع الشيوعيات القائمة

 

تستند الشيوعية العمالية الى اطروحة اساسية هي ان الشيوعية ليست منظومة نظرية صرف او حزب ونضال حزبي صرف. انها، قبل اي شيء اخر، حركة اجتماعية، حركة الطبقة العاملة ضد الراسمالية والتي هي حركة موجودة بصورة مستقلة وقبل الماركسية والنضال الحزبي في المجتمع. اذ ترجع الشيوعية العمالية، في نقدها وتقييمها للنظريات والاحزاب والمنظمات، لحركاتهم الاجتماعية.  وتوضح تمايزاتهم واختلافاتهم وفقاً الى هذا الاساس. وبناءاً عليه،  ان ما أُعتُبِرَ من وجهة نظرية الماركسية الثورية انحراف عن نظرية ماركس او اعادة النظر في الماركسية، فانه من وجهة نظر الشيوعية العمالية هو استخدام وتوظيف حركات اجتماعية اخرى للماركسية. اذ لاتتعلق المسالة بسوء الفهم وعدم الفهم النظري والاختلافات النظرية في معسكر الماركسية، بل اختلاف بين حركات اجتماعية مختلفة تماماً وافاق واهداف اجتماعية وسياسية متمايزة. اذ طبقاً لرؤية الشيوعية العمالية، والتي وضحها بالتفصيل في احد اعمق واشمل كتابات منصور حكمت، "اختلافاتنا"، ان ما اطلق عليه تقليديا "انحراف في الماركسية"، من الماوية والشيوعية الروسية وصولاً الى الاشتراكية الديمقراطية واليسار الجديد في اوربا، قد انتقدت جميعها بوصفها حركات اجتماعية غير عمالية.  لقد تم تقييم الشعبوية الايرانية كذلك لا بوصفها انحراف في الحركة العمالية، بل بوصفها القسم اليسار من الحركة القومية الاصلاحية في ايران. في بحث تشريح الليبرالية اليسارية، التي هي من التحليلات الساطعة لمنصور حكمت حول الثورة والنظرية الماركسية للثورة، انتقد نظرات منظمة الوحدة الشيوعية بوصفها القسم اليساري من الجبهة القومية الايرانية.  استخدم، لاحقاً، المنهج ذاته ايضاً في تقييم القوى السياسية في ايران.ان التطبيق المشرق لنظريات الشيوعية العمالية لهو في تحليل المسالة السوفيتية وتجربة ثورة اكتوبر  التي صدرت في نشرات الماركسية والمسالة السوفيتية في اعوام 86-1988. لم تقدم الماركسية الثورية، ولم يكن بمقدورها ان تقدم، جواب نظري لهذه المعضلة الاساسية لليسار العالمي الذي لم يتمكن ولم يكن بوسعه ان يجيب على تلك المسالة.  على الصعيد العالمي كذلك،  لم يكن لدى التيارات المنتقدة للاتحاد السوفيتي، سواء اكانت تروتسكية، ماوية ام يسار جديد اي جواب واضح تجاه هذه المسالة.  لقد قيم منصور حكمت، عبر ابحاثه العميقة و الشاملة في مجلدات الاتحاد السوفيتي، المعروفة بـ"بولتن الماركسية والمسالة السوفيتية"، علة هزيمة ثورة اكتوبر، في التحليل النهائي،  بهزيمة الحركة العمالية والبلاشفة على يد الحركة القومية الاصلاحية الروسية التي كانت تنشد ارساء روسيا صناعية. ان  القومية الروسية الساعية للعظمة التي كانت هي ايضاً منتقدة للراسمالية الروسية جراء تخلفها، استطاعت، في المطاف الاخير، ان تلحق في العشرينات الهزيمة بالبلاشفة. واستطاعت ان تمسك بزمام الحزب والدولة الحديثة للبروليتاريا الروسية وان تقيم راسمالية الدولة تحت اسم الاشتراكية. ان نظرات منصور حكمت، فيما يتعلق بنقد الاتحاد السوفيتي، هي اوضح واعمق نقد لتحليل ثورة اكتوبر والاتحاد السوفيتي قد تم طرحه في حركة اليسار العالمي. واستناداً الى هذا النقد نفسه، استطاعت الشيوعية العمالية ان تخرج مزهوة ومرفوعة الراس وتتحدى عالم احادي القطب الذي ظهر اثر انهيار الاتحاد السوفيتي. لقد كان منصور حكمت يقول ان الشيوعية العمالية ليست سوى شيوعية ماركس في الاوضاع الراهنة. لقد كان عالم ينتصب امام منظر وحامل راية ماركسية عصرنا لنقده وتغييره.

 

 الاهمية والمكانة العالمية لتاسيس الحزب الشيوعي العمالي

 

لقد تأسس الحزب الشيوعي العمالي في خريف 1991امتداداً للجدل والابحاث المفصلة التي قدمها منصور حكمت لتوضيح وتشريح الشيوعية العمالية  وفي اعقاب استقالته واستقالة مناصري نظراته من الحزب الشيوعي. ان تاسيس الحزب الشيوعي العمالي هو جواب على متطلبات الحركة العمالية المستقلة  وضرورة تحزب هذه الحركة متمايزاً عن الشيوعيين والاحزاب اليسارية القائمة التي تمثل في الواقع حركات اجتماعية اخرى. ان الاوضاع والمرحلة التي تاسس في خضمها الحزب هما انعكاس لهذه الحقيقة. اعلن عن تاسيس الحزب الشيوعي العمالي في اوضاع كانت فيه الاحزاب والقوى الشيوعية القائمة في حالة هزيمة. انهار اليسار العمالي مع انهيار جدار برلين، واحتفلت البرجوازية بما تخيلته نهاية الماركسية. اذ اما حلت الاحزاب الشيوعية الموالية للاتحاد السوفيتي او تلك المنتقدة له نفسها او غيرت اسمائها. لقد غدا اقتصاد السوق والوحشية الراسمالية المنازلان الوحيدان في الساحة، وقد اطيح باية افكار وامال انسانية مع اطاحتهم بنصب لينين. في مثل هذه الاوضاع، اسس منصور حكمت حزباً لم يتخل عن الهدف الاشتراكي لماركس وافكاره الانسانية. ليس هذا وحسب، بل دلل، وبشفافية ونقاء لم يسبق له مثيل في تاريخ اليسار العالمي المعاصر، على صحة واحقية الماركسية واكد عليها. لقد كان الحزب الشيوعي الايراني رد منصور حكمت على هجمة الجمهورية الاسلامية، فيما كان الحزب الشيوعي العمالي رده على هجمة الراسمالية العالمية على الشيوعية.

 

في الحقيقة، ان هذه الهجمة قد بدأت في العالم مع التاتشرية والريغانية في الثمانينات، قبل مدة طويلة من سقوط جدار برلين. لقد شنت التاتشرية هجمة على اية بارقة للانسانية والمساواة والحرية واستعاضت عنهم، في جميع الميادين، من السياسية والفن والثقافة، بالوحشية السافرة لاقتصاد السوق الحر، كما لو ان البرجوازية في الغرب تنتقم للعالم اليساري في الستينات. ان الشيوعيات القائمة، اليسار الروسي والصيني والاشتراكي الديمقراطي والتروتسكي واليسار الجديد لم تكن قادرة على التصدي لهذه الهجمة الرجعية العارمة. في الحقيقة، كان اغتراب وانعدام صلة هذه التيارات بالشيوعية التحررية لماركس هي نفسها احد عوامل خلق ارضية تنامي اكثر اجنحة وممثلي البرجوازية في الغرب والعالم يمينية ورجعية. لقد جُلِبَتْ التاتشرية الى الساحة وجُلِبَتْ معها مجمل قذارات التاريخ. لقد رُميَ بالدين، القومية، العنصرية والنزعات الاثنية جميعاً. والقت ظلال شؤمها لا على ميدان السياسة فحسب، بل مدته  لميادين الثقافة والفن والفلسفة كذلك. لقد عجَّلَ انهيار الاتحاد السوفيتي، وبدرجات،  هذا المسار التراجعي وتحول العالم الاحادي القطب لما بعد الحرب الباردة الى ميدان هجوم للبرجوازية الغربية الثملة بالنصر.

 

لقد مضى منصور حكمت، بقلمه، بنظراته الانسانية والراديكالية العميقة، وبحزبه لشن الحرب على هذا العالم الكالح. ان كتاباته في تلك المرحلة، "البزوغ الدموي للنظام العالمي الجديد" الذي كتبه ياللغة الانكليزية والذي تناول فيه تحليل حرب الخليج ومكانتها في تعزيز النظام العالمي الجديد، سلسلة مقالاته في جريدة انترناسيونال فيما يخص نقد الديمقراطية، القومية، الاسلام السياسي واخيراً تحليله وموقفه من حدث 11 ايلول والعالم بعد 11 ايلول، لهي بيان ومقاضاة الشيوعية العمالية للعالم الحالك لما بعد الحرب الباردة. لقد اعلن منصور حكمت في اختلافاتنا ان على الشيوعية ان تتخلص من الجدل مع نفسها وان تمضي في مصارعة الافكار البرجوازية في المجتمع.  اذ يقول يجب، مثل ماركس، ان نحطم المفكرين البرجوازيين استنادا الى تناقضاتهم. لقد عمل الشيء ذاته. ان مقالات "الديمقراطية بين التعابير والوقائع" و"الامة، النزعة القومية، وبرنامج الحزب الشيوعي العمالي" لهي نماذج مشرقة لهذه العودة الى ماركس في ميدان النضال النظري. بيد انه ليس تكرار واحياء ماركس فحسب، بل توسيعه وتعميقه في الرد على القضايا المختلفة لعالم اواخر القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين.

 

ان كتابات منصور حكمت الاخيرة ومقالته فيما يتعلق بـ 11 ايلول والتي صدرت في اربعة اعداد من جريدة انترناسيونال الاسبوعية لهي، في الحقيقة، راية العالم المتمدن امام الارهاب الاسلامي والارهاب الحكومي للغرب على السواء. اذ تجابه في 11 ايلول ارهاب الناتو والارهاب الاسلامي الذي ترعرع في احضان الاول. ففي تعامله مع هذا الحدث، لم يكن سوى خط وموقف منصور حكمت المنتقد دون هوادة للنظام العالمي الجديد من جهة  وللاسلام السياسي من جهة اخرى بوسعه ان يكون صرخة البشرية الواقعة بين هذين المعسكرين الرجعيين. بدون الراية الثالثة هذه، لكان العالم بعد 11 ايلول قد غدا اكثر حلكة وظلاماً.

 

حول هذه النظرات والكفاح النظري الذي رفع رايته منصور حكمت، نظم حزبه نضال عملي واسع على الصعيد العالمي. ان القوة الفعالة لهذا النضال هي تنظيمات الحزب الشيوعي العمالي في الخارج والحملات والهيئات المختلفة التي شكلها الحزب بصورة مباشرة او غير مباشرة في بلدان متعددة. ان الدفاع عن حقوق النساء واللاجئين، التصدي للعنصرية، الدفاع عن حقوق الاطفال في قلب اوربا الغربية في اوضاع شنت فيه الدول هجمة واسعة على الحقوق الاساسية للمهاجرين واللاجئين، مجابهة الاسلام السياسي وتنامي ونفوذ الدين في المجتمعات الغربية، التصدي لاطروحة النسبية الثقافية وفضح ماهيتها غير الانسانية والرجعية، وبكلمة واحدة، فتح جبهات صراع في كل ميدان شن فيه النظام العالمي الجديد حملة على حقوق وكرامة البشر، كل هذه كانت جزء  لايفتر من نضال الحزب الشيوعي العمالي. ان نضال بهذا الابعاد لم يسبق له مثيل لا على صعيد تاريخ اليسار الايراني فحسب، بل اليسار العالمي كذلك. ان الحزب الشيوعي العمالي الايراني، وفي كل بلد لديه عضو او تنظيمات، لهو حزب فعال ومتدخل في المجتمع و محيط تواجده. ان هذا يقف بالضد تماماً من تقاليد اليسار القائم، سواء في ايران او في العالم، والتي يعد النضال ضد نظامه وحكومة بلده في المنفى اقصى درجات راديكاليته، مثل نمط نضال كونفدراسيون الطلبة في وقت الشاه، او يساريوا جنوب افريقيا ومنظمة ANC المناهضة للتمييز العنصري او على غرار اساليب عمل قوى معارضة النظام الايراني في الخارج. ان هذه ليست تقاليد الشيوعية العمالية. انها حركة تقف، وعلى جميع الاصعدة والابعاد، بوجه الرجعية والتخلف؛ وفي اي مكان بوسعها الارتقاء بحياة الجماهير. ان الشيوعية العمالية، حتى وان كانت في المعارضة والمنفى، لهي حزب ذات اثر في المجتمع وفي حياة الجماهير. انها سمة فريدة اعطاها للحزب قائد فريد.

 

 الشيوعية العمالية في ميدان سياسة ايران

 

امام نظام الجمهورية الاسلامية واجنحته والقوى الموالية له في المعارضة، يعد منصور حكمت ممثل وتجسيد للتحرر والحرية. ان نقده العميق، البتار والجذري للاسلام السياسي والجمهورية الاسلامية واجنحتها، وتحليله العميق لماهية ودور ومكانة قوى الثاني من خرداد في المعارضة لم ينير سبيل نضال الحزب والفعالين الحزبيين فحسب، بل تحول الى راية ونقطة امل مجمل الناس الشرفاء الذين ينبض قلبهم من اجل الانسانية والحرية والتحرر. ان كتاباته السياسية في هذه المرحلة والتي صدرت في جريدة انترناسيونال، مقالات مثل "الازمة الاخيرة"، "الاحلام المحرمة للمجاهدين"، "الاسلام، حقوق الاطفال وحجاب كيت راه كاركر"، "تاريخ غير المهزومين"، "آل احمد البلاستيكيين" وعشرات الكتابات المماثلة، حولت الحزب الشيوعي العمالي الى منبر وحيد للعلمانية والحداثة والانسانية والتحررية وراية الناطق الحقيقي لحركة اسقاط النظام في المجتمع الايراني.

 

من المؤتمر الثاني للحزب، طرح منصور حكمت ابحاث جديدة ومرشدة فيما يخص صلة الحزب بالسلطة السياسية ومكانة الحزب في المجتمع. كان ينشد ان يكون الحزب ملموساً ومعروفاً لدى الجماهير وفي متناول يدها، كان يبغي ان يتحول كوادر وقادة الحزب الى شخصيات معروفة في السياسة الايرانية، كان يبغي ان يتخندق الحزب في قلب السياسة الايرانية وعلى راس حركة اسقاط النظام. اذ يقول، في خطابه في المؤتمر الثالث للحزب، من اجل احداث تغيير في حياة قسم عريض من الجماهير وبشكل دائم، يجب استلام السلطة السياسية. لقد تمثلت مجمل مساعيه، في هذه المرحلة، باعداد الحزب لاستلام السلطة السياسية. ان ابحاث هذه المرحلة فيما يتعلق بـ"الحزب والمجتمع" و"الحزب والسلطة السياسية" لهي بديعة، لم يسبق لها مثيل وتغييرية. ان ابداعية وخلاقية منصور حكمت لاتعرفان حدود.

 

فتح الحزب، خلال هذه المرحلة، ميادين متعددة للنضال ضد الجمهورية الاسلامية. كان منصور حكمت منهمك بصورة مباشرة في تخطيط وتنفيذ العديد منها. ان مجابهة مساعي نظام الجمهورية الاسلامية لتعزيز نفسه في الخارج ولدى الدول والراي العام الغربي والتي كانت اوجها الحركة الناجحة للحزب ضد كونفرانس حركة (2) خرداد في برلين، فرض الحجاب، الحملة المناهضة للحجاب الاجباري والتمييز الجنسي في ايران، حملة الدفاع عن عمال النفط، الحملة المظفرة لاطلاق سراح محمود صالحي، احد القادة العماليين في مدينة سقز، من سجون الجمهورية الاسلامية، تاسيس منظمة الاطفال اولاً، تشكيل منظمة الشباب للحزب الشيوعي وحملة تغيير الخط الفارسي الى الخط الروماني والتي كانت، وبصورة مباشرة، مشروع منصور حكمت نفسه. ان هذه جميعاً هي جزء من النضال الدؤوب والشامل للحزب وحركة منصور حكمت لمناهضة الجمهورية الاسلامية والرجعية والتخلف في مجتمع ايران عموماً.

 

ان النقد والتعرية الدؤوبة لخاتمي وخط (2) خرداد من البداية والتصدي لدعايات وسياسات قوى المعارضة في حركة 2 خرداد في الخارج هي ميدان متواصل لنضال الحزب في هذه المرحلة. لقد شخَّصَ منصور حكمت في قرار "انتخاب خاتمي والتنامي المجدد للمعارضة الموالية للنظام"، سلسلة مقالات "الفصل الاخير" ثلاث حركات اجتماعية في الميدان السياسي لايران اليوم: الحركة الملكية او القومية الايرانية الموالية للغرب، الحركة القومية الدينية التي يمثل في الاوضاع الراهنة الثاني من خرداد مجراها الاساسي، واخيراً الحركة اليسارية والشيوعية التي يمثلها الحزب الشيوعي العمالي. في هذا التحليل، حلل المكانة الاجتماعية للاحزاب والمنظمات السياسية استناداً الى مجراهم الاجتماعي والحركة التي ينتمون اليها. اذ اشار منصور حكمت، في تحليله الذي يمثل نموذج بارز على استخدام رؤية الشيوعية العمالية فيما يتعلق بالاوضاع السياسية الراهنة في ايران، ان منظمات وشخصيات مثل حزب تودة، اكثريت، نهضت ازادي، منظمة مجاهدي الثورة الاسلامية، خاتمي، سروش، خلخالي وحجاريان ينتمون الى حركة وافق سياسي واحد، ومن هنا يقتضي نقدها وتعريتها. ان اهمية مثل هذا النقد الاجتماعي للاحزاب تتخطى معرفة وتقييم الوضعية السياسية الراهنة وتلقي ضوءاً جديداً على تاريخ الـ( 25) سنة الاخيرة لايران وتاريخ الاحزاب والقوى السياسية في ايران المعاصرة. ان مقالات "الفصل الاخير" و"تاريخ غير المهزومين" التي كتبها منصور حكمت استناداً الى النهج ذاته تعطي تحليل عميق وواضح للاصطفافات السياسية في ايران في العقدين الاخيرين. بدون منصور حكمت والحزب الشيوعي الايراني، لن يُمثَّل اليسار والانسانية والتحررية اليسارية في السياسة الايرانية؛ وسيُترك، تماماً، الميدان لانصار النظام الحالي او النظام السايق في ايران. ان حزب منصور حكمت اليوم لهو قوة اساسية في الساحة السياسية لايران وفي حركة اسقاط الجمهورية الاسلامية.

 

 ارث منصور حكمت

 

ان ثمرة ( 25 ) عام من نضال منصور حكمت الذي لايعرف الكلل في الميدان النظري وكذلك التنظيم السياسي وقيادة حركة انبثقت حول هذه النظرات هي مئات المقالات النظرية، التحليلات السياسية، القرارات التكتيكية، خطط العمل التنظيمية، برنامج "عالم افضل"، مئات الخطب والندوات، عشرات المؤسسات والهيئات والمنظمات والجرائد في الميادين المختلفة للنضال، وعلى راسها جميعاً، الحزبين الشيوعيين العماليين الايراني والعراقي. ان هذا النضال المنظم العظيم والذي لم يسبق له مثيل من حيث ابعاده وسعة ميادينه العملية والعمق والشفافية النظرية في تاريخ اليسار الايراني والعالم المعاصر هو الارث العزيز والذي لايقدر بثمن لمجمل المناضلين من اجل حرية وخلاص الانسان.

 

برحيله المبكر في 4 تموز 2002، اختتمت سيرة حياة منصور حكمت. بيد ان حياة منصور حكمت لم تنتهي. ان قصة حزبنا وحركتنا ستبقي دوماً قصة حياة منصور حكمت. ان اثر ميراثه العظيم الذي تركه لنا لن يقتصر على عصرنا وجيلنا. طالما ان الفقر، الاستغلال، غياب العدالة، اللامساواة قائمة، سيبقى منصور حكمت وحركة الشيوعية العمالية التي رفع هو رايتها حيين.