الارض واحدة والانسان واحد

بصدد الازمة البيئية العالمية

عصام شكـــري

ishukri@gmail.com

 

 

موضوع البيئة والازمة البيئية العالمية في ظاهره غير سياسي ولكنه سياسي بكل معنى الكلمة. اقصد بالازمة البيئية ما يتحدث عنه العلماء من الاحتباس الحراري وارتفاع درجة حرارة الارض التدريجي، التصحر وانحسار الاحزمة الخضراء نتيجة الجفاف، نقص ونضوب الموارد الطبيعية، ازدياد نسب ثاني اوكسيد الكاربون في طبقة الاتموسفير، التلوث في المياه والاراضي، بدء منحدر نضوب الوقود المتحجر (البترول والغاز الطبيعي) وطبعا نتائجه ارتفاع اسعار الطاقة عالميا.

 

الاسئلة التي تجعل من مسألة البيئة سياسية بامتياز هي: من المسؤول عن هذه الكوارث البيئية ؟ هل هو "الانسان" بشكله المجرد المثالي؟ اي انسان بالظبط وفي اي مرحلة تحصل هذه التراجعات البيئية ؟ من المسؤول عن هذا التراجع؟ وفق اي سياسات واي علاقات انتاج وصلت الامور الى هذا الحد؟ كيف ننظر الى القوى المدافعة عن البيئة وتناضل من اجل بيئة اكثر نقاءا وخضرة وتبحث عن بدائل مستديمة للطاقة كاشعة الشمس والطاقة الحركية للمياه والرياح ؟ كيف يمكن ان ننظر الى مسألة البيئة اليوم بظل الاحتجاجات الكبرى القائمة في اوربا وامريكا والعالم العربي والعراق ضد التجويع والفقر والبطالة والفشل الاقتصادي في كل مكان وعلى كل صعيد ؟ هل هناك ارتباط بين الحركات المدافعة عن البيئة والحركات الثورية المدافعة عن الانسانية والرافضة للرأسمالية ؟ هل الحركات التي تدعوا الى بيئة مستديمة (sustainable) والى نبذ انماط الانتاج الرأسمالي واستبداله بنمط انتاج اخر ثوري (دون ان يصرحوا بذلك بالطبع) هي حركات تقف في جبهة الحركة الثورية والانسانية ام هي حركة ”تبكي على ليلاها“ ؟!

 

والان لاربط الموضوع بالعراق. فقد قرأت كلام الدكتور دلشاد كنجو الاستاذ المساعد بكلية العلوم قسم البايولوجي في جامعة صلاح الدين والذي يحذر فيه من مغبة اهمال الواقع البيئي في العراق، داعيا السياسيين والحكومة الى الالتفات الى ما وصفه بالخطر البيئي الذي يواجه العراق. وقال الدكتور دلشاد  ان "الواقع البيئي في العراق متهرىء من اقصاه الى اقصاه"، مبينا ان البيئة في العراق لايمكن تجزأتها عن بعضها لأنها تخضع لقوانين طبيعية واحدة، فالحدود هي مصطنعة من قبل الانسان. واوضح ان البيئة في العراق تسير نحو الاسوأ منذ عام 1998 حيث تتعرض المياه الجوفية لخطر الجفاف بسبب افعال الانسان الذي يقوم باستخدام تلك المياه عن طريق حفر الابار ،التي تعد ثروة وطنية من دون الاكتراث لخطر جفافها". وبين ان المياه الجوفية تحتاج في كل مرة الى اربعة اعوام لاعادة شحنها"، متسائلا "فكيف اذا استمر الانسان بالسحب منها يوميا من دون حساب"؟ واشار الى القوانين البيئية في العراق واقليم كردستان، مبينا انها غير مفعلة وغير كافية لحماية البيئة. وقال ان "القانون رقم 3 لعام 1997 الصادر في العراق، مليء بالثغرات وكذلك القانون رقم 8 لحماية وتحسين البيئة لعام 2008 في اقليم كردستان غير كاف، داعيا الحكومات والسياسيين "الى الاهتمام بالبيئة لانها تعني الحياة". وبين ان السياسة العالمية الان تتجه نحو الاهتمام بالبيئة ، موضحا حتى ان معايير الانتخابات تقاس بـ "مدى اهتمام المرشح بالبيئة وماهي خطته لدعم بيئته". اذن صرخة احتجاج الاستاذ كنجو واحدة من ملايين صرخات الاحتجاج على هذا التدمير التي تقوم به الطبقة الحاكمة، الطبقة الاستغلالية، الطبقة البرجوازية، الطبقة التي لاهم لها غير مراكمة الربح، ولكن في العراق يضاف الى ذلك اكثر الاشكال بربرية وغلواً.

 

ان احتجاجات حماة البيئة والمدافعين عن الاستدامة وتقليل استهلاك الوقود الحجري والحفاظ على الخضرة وزيادتها واستخدام النقل الجماعي الكفوء والمتاح للجميع والسريع والسهل بدلا من السيارات الخصوصية وتنقية المياه ومصادره والحفاظ على الحياة الطبيعية وتقليل الجزر الحرارية (الاسطح الكونكريتية ازاء الحدائق) كلها برأيي اليوم تكتسب معنى اخر اكثر ثورية بسبب انها جزء من الحركة المعادية للنظام الرأسمالية والتي تهاجم هذا النظام وتقول له: كفى تدميرا وكفى استغلالا: حلولكم خاطئة وكما ادت بالبيئة الى التدمير فهي نفسها تؤدي بالجماهير الى الحرمان وشظف العيش والبيئة غير الصحية. حلولكم عاجزة واستغلالية. انتم لا تهتمون سوى بمراكمة الرساميل ومسألة حياة الانسان وتطويرها لهذا الجيل او للاجيال القادمة ليست في اجندتكم. انكم ليس فقط لا تحسنون الواقع المعيشي او البيئي بل انكم تدمرون في الواقع هذا الواقع والبيئة. ان نظامكم فاسد ونحن نريد قلبه وتغييره وانشاء عالم افضل بكل جوانبه؛ البشرية والبيئية، فكل شئ مرتبط ببعضه.

 

بامكاننا نحن، كاشتراكيين عماليين، اخذ هذه الاحتجاجات المحقة الى مدياتها ومساراتها الصحيحة لتصبح اكثر راديكالية واكثر انسجاما مع الواقع الثوري في العالم وا لمنطقة والعراق. علينا نحن ان نطابق مسارات الحركات الداعية لرفض انتهاك الطبقة البرجوازية للبيئة ومصادر عيش الجماهير الان وفي المستقبل بمسارات الحركات الثورية الشبابية والعمالية والنسوية والتي تطالب بمجتمع افضل حقوقيا وتشريعيا وانسانيا. ان المسارين واحد وصرختهما واحدة؛ صرخة الـ (لا) للرأسمالية؛ انها حركات رفض النظام القائم على الاستغلال والتنافس المحموم على الارباح والفوضى الانتاجية العارمة والتخبط. كل شئ من اجل تحسين الحياة امام هذا النظام المعادي للانسانية ليس هدفا مستأهلا. لا شئ. فكل تحسين هو عقبة في طريق تحقيقهم الارباح ومراكمة الرساميل. تحسين البيئة والمعيشة بنظر الرأسمالي والطبقة البرجوازية تشكل عقبة بوجه "ألتقدم" (تقدم رأسماله) وبالتالي يجب ازاحتها. ولكن انظروا الى حال العالم بيئيا ومعيشيا وصحيا: اليست هذه نتائج وحصيلة نظامكم ؟!

 

نحن الاشتراكيون بامكاننا جلب قوى الانسانية لتعمل سوية وتتوحد سوية من اجل الاطاحة بهذا النظام عديم الانسانية. بامكاننا ان نوحد ونقود القوى ضد اهداف غير متوسلة بهم. انهم لا يفهمون التوسل وطلب الاصلاح والتعديلات الطفيفة والتقارير المقدمة للوزارات ورئاسات الجامعات. يجب ان نجد وسائل ثورية  - وسائل تسعى لقلب النظام الحالي وتخليص البشرية منه. يجب ان نقول بوضوح: لا يمكن اصلاحكم ولا اصلاح نظامكم، وصلتم الى نهاية المطاف. البيئة لم تعد تحتمل تخريبكم، الارض لم تعد تحتمل تخريبكم. المياه والهواء لم يعودان قادرين على تحمل نظامكم والبشرية لم تعد تحتمل الاهانات والانتهاكات والافقار والتجويع والتمييز اكثر.

 

ان الارض واحدة والانسان واحد. لا حدود ولا جنسيات ولا اجناس ولا اديان ولا قبائل. الحاجة ملحة والنداء عاجل. يجب الشروع على الفور. يجب تغيير هذا العالم اليوم. وعلينا كلنا ان ننخرط في هذا العمل.

-------------------------------

* نشر في العدد 155 من جريدة نحو الاشتراكية