بارقة أمل

حول الاحتجاجات الحالية في العراق

 

عصام شكـــري

ishukri@gmail.com

 

موجة كبيرة من الاحتجاجات تجتاح العراق اليوم خاصة في محافظات الانبار والموصل وصلاح الدين وكركوك. هذه الاحتجاجات تجسد طموحات مئات الآلاف من الشباب المحروم واليائس والعمال. وعلى الرغم من ان هذه الاحتجاجات بدت في بدايتها بمثابة استجابة مباشرة لاعتقال حماية وزير المالية رافع العيساوي، فان مجريات الأحداث كشفت عن أن هذا الاعتقال كان الصاعق الذي ألهب مشاعر الغضب والإحباط الكامنة في الصدور، تلك التي تراكمت لسنوات طويلة من الحرمان، والقمع، والاغتراب الكلي.

 

في البداية، ظهر الطابع الطائفي بشكل فج، نتيجة للإسلام السياسي السني ونفوذ حزب البعث، وأيضا التأثير المحتمل لتهديدات تنظيم القاعدة و"امراء" الميليشيات الاسلامية، ورؤساء العشائر، من اجل تحقيق اجنداتهم الخاصة. لكن مطالب الجماهير الساحقة طغت بسرعة. بدأت المطالب الاجتماعية في التبلور وبدأت أصوات الحرية بالتصاعد بصوت أعلى من اصوات الطائفية والدين البغيضة (رغم كل التخويف والترهيب). بدأت المظاهرات تشيح بنظرها عن القوى الطائفية وتكسب تعاطفا متزايدا (بما في ذلك في مدن جنوب العراق). تدور مطالب الاحتجاجات حول إطلاق سراح السجناء الذين اعتقلتهم قوات المالكي، وإلغاء قانون الإرهاب (المسمى قانون 4 إرهاب)، ووقف الاعتقالات التعسفية، والكشف عن جميع حالات اغتصاب السجينات والتعذيب الممارس بشكل واسع النطاق ضد المعتقلين، ووقف جميع عمليات الإعدام الجماعية، والمحاكمات الصورية، إضافة إلى مطالب أخرى. ان الوضع في العراق ليس حصيلة لصراع طائفي، كما يريد البعض أن نصدق، وإنما هو انعكاس لصراعات طبقية عميقة تجد مزيدا من القنوات للتعبير عن نفسها، بغض النظر عن محاولاتهم التغطية على ذلك باكوام من قمامة الدين والطائفية والعشائرية.

 

وفي مشهد آخر، في بغداد العاصمة، وقبيل اندلاع الاحتجاجات، غمرت الأمطار الغزيرة المدينة الفقيرة، وقطعت حرفيا اوصال معظم أحيائها. اجتاحت مياه الأمطار العديد من المناطق السكنية مما ادى إلى غرق الاف المنازل. وصل منسوب المياه الى نصف متر داخل المنازل. المياه كانت ملوثة بسبب اختلاط مياه الصرف الصحي بمياه الأمطار مما شكل خطرا حقيقيا على الجماهير. وتوجه اصابع الاتهام لكل من امانة بغداد ومجلس محافظة بغداد بالمسؤلية عن هذه الكارثة. ولكن أعضاء هذه المؤسستين يلوم بعضهم البعض عن الإهمال، في محاولة للتنصل من المسؤولية (يشار الى أن اعضاء كل من مجلس محافظة بغداد وامانة بغداد هم اعضاء أحزاب إسلامية وطائفية حاكمة). وقد أظهرت التلفزيونات العراقية غرف نوم آلاف الأسر مغمورة بالمياه الاسنة. العائلات العراقية ليس لديها أسرة، بسبب الفقر، وبالتالي فان حجم الضرر قد تضاعف لانهم يفترشون الارض، كما أن معظم الأسر تعيش في منازل متداعية اسطحها مشققة. واضافة الى الفيضانات، هناك الظروف الاجتماعية والمعيشية المتدهورة في العراق، ليس فقط على صعيد الخدمات الأساسية والكهرباء ومياه الشرب وانظمة الصرف الصحي والخدمات، ولكن أيضا بسبب تفشي البطالة والفقر الناجم عنها. ويقترن هذا التدهور في الأوضاع المعيشية مع عدم توفر الحريات سواء الفردية او الاجتماعية بسبب ممارسات القمع والتعسف واستمرار الإرهاب الإسلامي على الرغم من أن التيارات الاسلامية تتراجع وتفقد الدعم الجماهيري. ان من الاهمية بمكان ان نرى الصورة كما هي لتمنحنا خلفية القصة الحقيقية للشعب العراقي ككل.

 

في الوقت نفسه، فإن الحكومة العراقية التي يرأسها المالكي تحاول عبثا تحقيق "الشراكة الوطنية". هذا الهدف يصطدم مع الطبيعة الاصلية للأطراف المسيطرة على الحكومة بتركيبتها الدينية والطائفية الصارخة، وبتناقضها مع كل تمدن. لذا، فان نوري المالكي يبدو نفسه في حالة من التخبط والحيرة. ففي كل مرة يحاول التفاوض لاخراس احد الكتل المعترضة، لا يلبث ان يواجه بصيحات احتجاج كتلة اخرى تذمراً من "دكتاتوريته التي لا تطاق"!. ذلك الصراخ "الديمقراطي" ماهو في الواقع الا غطاء لأعمق الصراعات بين الفصائل الدينية الحاكمة؛ غطاء للصراعات الناجمة بتأثير الأحداث المتصاعدة في سوريا. نوري المالكي والقوة الرئيسية الداعمة له، الجمهورية الإسلامية الايرانية، يتعرضان بوضوح للهجوم بسبب تراجع موقف نظام الأسد. ولقد لعب المالكي دورا في وقف تقدم الثورة السورية من خلال دعم نظام الاسد بالأسلحة والمقاتلين و"الشبيحة" المهربين من الجمهورية الاسلامية. بخضم هذه الاوضاع، وجد القوميون ألكرد، الذين طالما تمتعوا بثمار "تعاونهم" مع امريكا في غزوها للعراق، أنفسهم في اصطفاف داخل تحالف إسلامي رجعي آخر محوره السعودية – قطر- تركيا، وطبعا بدعم امريكا والغرب. ولكن بغض النظر عن المناوشات الاعلامية بين محور الجمهورية الإسلامية والسعودية، فان الاشتباكات بين ميليشيا المالكي والبيشمركة الكردية في طوزخرماتو والتي تسببت بسقوط ضحايا بين قتيل وجريح، أعطت الجانبين الرجعيين فرصة لاختبار القوة . ولقد أظهرت الجماهير في تلك المدينة الصغيرة، وسائر ما يسمى المناطق المتنازع عليها، موقفا تقدميا رافضا لكلا الطرفين، موقفا انتقد بحدة سحب الجماهير إلى كارثة دموية جديدة.

 

وحين انتهى المالكي من اختبار حدود قوته مع القوميين الكرد، اوصل الموقف معهم الى حالة من الجمود، مفضلا العودة لمعالجة معارضيه "المزعجين" السنة داخل الحكومة (كتلة العراقية - حلفاءه في "العملية السياسية"). وقد حاولت، وتحاول هذه الكتلة عرقلة مسار سلطة المالكي المركزية، حيث شكل دعم المحور السعودي القطري التركي للجماعات الاسلامية السنية المؤيدة للغرب والتي اوصلت للسلطة في دول "الربيع العربي" كمحاولة اجهاضية للثورة، بارقة أمل لتلك الكتلة وحلفاءها. ولكن حتى الآن، يبدو أن المالكي هو الرابح، حيث نجح في قمع محاولات الحزب الإسلامي (الموالي للغرب والمدعوم من الحركة الوهابية والسعودية) لعرقلة مساعيه، حين اصدر مذكرة اعتقال الهاشمي بتهمة الإرهاب ومن ثم اصدار 4 احكام اعدام بحقه قاطعا الطريق لاي مساومة، ومن ثم شروعه باحاطة شخصيات بارزة أخرى في الكتلة بطوق قانونه سئ الصيت (4 إرهاب). هكذا اذن، وبعد 10 سنوات من حكم القوى التي فرضها الاحتلال الأمريكي فانها تفشل في العملية السياسية لإنشاء دولة بأي معيار تافه يمكن من خلاله اعتبارها هيئة حكم حديثة للبرجوازية.

 

من ناحية اخرى، فان الاحتجاجات الجماهيرية، اظهرت من الناحية العملية، أن جماهير العراق تنأى بنفسها بشكل متزايد عن تأثير القسمين الطائفيين المتنافسين داخل الحكومة (أي الشيعة والسنة). العديد من اسباب هذا الانحسار تعود إلى فشل الحكومة على صعد المستويات الأساسية، ولكن أيضا بسبب تناقص مقدرة هذه القوى في خداع الجماهير حول امكانياتها حل الاوضاع. فالعكس هو ما يحدث حيث تتدهور بشكل يومي قدرة قوى الإسلام السياسي على ممارسة السلطة. الا ان هنالك عنصر أساسي آخر قد لا يكون بنفس الوضوح ولكنه فعال. ذلك هو الوجود المتزايد لليسار وللنفوذ الشيوعي العمالي. صحيح، ان هذه القوة لا تزال صغيرة، ولكن في الحالة التي يكون فيها المجتمع في حالة بحث عن بديل، فان قطاعات من الطبقة العاملة والعلمانيين والشباب الثوري المتمرد والنساء قد بدأت باظهار ميلا متزايدا نحو اليسار والعلمانية والاشتراكية والمساواة والتمدن، تتجسد بوضوح كبير في تيار الشيوعية العمالية وخاصة الحزب الشيوعي العمالي اليساري العراقي، بمثابة قوة ثورية قادرة على الاجابة على الاوضاع.

 

وأخيرا، يجدر قول شيئا ما عن خطاب عزة الدوري – احد ابرز مساعدي صدام حسين قبل الغزو الامريكي وممثل حزب البعث والقومية العربية. ففي كلمة بثها طرح افكاره القومية العروبية الشوفينية بديلا لسلطة المالكي "الصفوية". الا ان ذلك بدى تافها وعقيما. فالاتجاه الذي يمثله عزة الدوري قد اندحر، ليس اليوم، ولكن منذ فترة اطول بكثير من وقت اقتلاع سلطتهم من قبل امريكا في العام 2003. لقد اختار حزب البعث، بعد إفلاس ايديولوجيا القومية العربية التحالف مع التيارات الارهابية الاسلامية السنية وصار بالتالي جزءا من قوى الإسلام السياسي. اما جماهير العراق فأدانت فاشية ذلك الحزب وإيديولوجيته الدموية منذ زمن طويل. وبغض النظر عما آلت اليه مطالب البعثيين، فان هناك فرصة ضئيلة لهم لكسب أي موطئ قدم داخل الحركة الاحتجاجية تمكنهم من تجييرها لصالحهم.

 

ضمن هذا الواقع الذي يبدو معقدا، تظهر حقيقتان بسيطتان، أولهما أن هناك احتجاجات واسعة تجتاح العراق احتجاجا على الحرمان وانعدام الحريات والكرامة؛ الطبقة العاملة تحتج على الفقر وغياب فرص العمل اللائقة، الشباب المحتج على حرمانه من كل شئ، والنساء المحرومات من كل حقوق ويخضعن لبطش حفنة من الاسلاميين وشيوخ العشائر ورجال الدين. الحقيقة الثانية تتعلق بتنامي اليسار داخل معسكر الجماهير، زيادة النزعة العلمانية والحضارية بين الشباب الثائر. وفي الواقع فان الحقيقة الأولى قد تبرز باعتبار انها شئ "لا مفر منه" بسبب تأثيرات "الربيع العربي". اما الثانية فليست حتمية. انها تشترط مساهمة جدية ومسؤولة، مشاركة ونهضة وتدخل كل الشيوعيين والاشتراكيين والعمال والنساء والعلمانيين، كل التحرريين والمساواتيين وكل محب للحرية والانسانية. من واجب جميع أولئك الذين لديهم أمل كبير وطموح بإجراء تغيير عميق في المجتمع، التدخل لقيادة هذه الاحتجاجات المتنامية ورسم مساراتها الانسانية.